ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
29
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
عرفوا اللّه « 1 » فأخبرهم أن اللّه فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة - الحديث » وهو في « الصحيحين » ؛ واللفظ لمسلم « 2 » . وقد نزه سبحانه نفسه عن غير ما يصفه المرسلون فقال : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( الصافات : 180 - 183 ) فنزه نفسه عما يصفه به الخلق ثم سلم على المرسلين
--> ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه ، وتكفي الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر ، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه . قال : فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة ، وأما من غلا فقال : لا يكفي إيمان المقلد فلا يلتفت إليه ، لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين ، وكذا من غلا أيضا فقال : لا يجوز النظر في الأدلة لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر . انتهى ملخصا . ( 1 ) قوله : « فإذا عرفوا اللّه » قال الحافظ : استدل به بأن معرفة اللّه بحقيقة كنهه ممكنة للبشر ، فإن كان ذلك مقيدا بما عرف به نفسه من وجوده وصفاته اللائقة من العلم القدرة والإرادة مثلا ، وتنزيهه عن كل نقيصة كالحدوث فلا بأس به ، فأما ما عدا ذلك فإنه غير معلوم للبشر وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً فإذا حمل قوله : « فإذا عرفوا اللّه » على ذلك كان واضحا . مع أن الاحتجاج به يتوقف على الجزم بأنه صلى اللّه عليه وسلم نطق بهذه اللفظة وفيه نظر ، لأن القصة واحدة ورواة هذا الحديث اختلفوا : هل ورد الحديث بهذا اللفظ أو بغيره ؟ فلم يقل صلى اللّه عليه وسلم إلا بلفظ منها ، ومع احتمال أن يكون هذا اللفظ من تصرف الرواة لا يتم الاستدلال ، وقد بينت في أواخر « كتاب الزكاة » أن الأكثر رووه بلفظ « فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، فإن هم أطاعوا لك بذلك » ومنهم من رواه بلفظ « فادعهم إلى أن يوحدوا اللّه ، فإذا عرفوا ذلك ومنهم من رواه بلفظ « فادعهم إلى عبادة اللّه ، فإذا عرفوا اللّه » . ووجه الجمع بينهما أن المراد بالعبادة : التوحيد ، والمراد بالتوحيد : الإقرار بالشهادتين ، والإشارة بقوله « ذلك » إلى التوحيد ، وقوله : « فإذا عرفوا اللّه » : أي عرفوا توحيد اللّه . والمراد بالمعرفة الإقرار والطواعية فبذلك يجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة وباللّه التوفيق . أه « فتح الباري » ( 13 / 367 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1395 - 1496 - 7372 ) ، ومسلم في ( الإيمان / 19 ) .